محمد هادي معرفة

28

التمهيد في علوم القرآن

قال الأزهري : الوحي هنا : إلقاء اللّه في قلبها . قال : وما بعد هذا يدلّ - واللّه أعلم - على أنّه وحي من اللّه على جهة الإعلام ، للضمان لها « إنّا رادّوه إليك » . وقيل : إنّ معنى الوحي هنا : الإلهام . قال : وجائز أن يلقي اللّه في قلبها أنّه مردود إليها وإنّه يكون مرسلا . ولكن الإعلام أبين في معنى الوحي هنا « 1 » . والشيخ المفيد - قدّس سرّه - أخذ الوحي هنا بمعنى الإعلام الخفي ، في كتابه « أوائل المقالات » . لكنه في كتابه « تصحيح الاعتقاد » جعله بمعنى رؤيا أو كلام سمعته امّ موسى في المنام . وقال - بصدد إيضاح معنى الوحي - : أصل الوحي هو الكلام الخفي ، ثمّ قد يطلق على كلّ شيء قصد به إفهام المخاطب على السرّ له عن غيره « 2 » . وأمّا التعبير بالوحي عن وسواس الشيطان وتسويله خواطر الشرّ والفساد ، فجاء في قوله تعالى : « وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً » « 3 » . وقال : « وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ » « 4 » ويفسّره قوله : « مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ » « 5 » . كما جاء التعبير عمّا يلقيه اللّه إلى الملائكة من أمره ليفعلوه من فورهم ، بالوحي أيضا في قوله تعالى : « إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا » « 6 » . وأمّا التعبير بالوحي عمّا يلقيه اللّه إلى نبيّ من أنبيائه بواسطة ملك أو بغير واسطة لأجل تبليغ رسالة اللّه ، فهو معنى رابع استعمله القرآن وهو موضوع بحثنا

--> ( 1 ) لسان العرب : ج 15 ص 380 . ( 2 ) راجع أوائل المقالات : ص 39 ، وتصحيح الاعتقاد : ص 56 . ( 3 ) الانعام : 112 . ( 4 ) الانعام : 121 . ( 5 ) الناس : 4 - 6 . ( 6 ) الأنفال : 12 .